الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
57
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
فقط ؟ بينما جميع الموجودات تشترك في هذا الفقر ؟ والجواب : إذا كان الإنسان - الذي يعتبر سيد المخلوقات - غارقا في الحاجة والفقر إلى الله ، فإن حال بقية الموجودات واضحة ، وبتعبير آخر فإن بقية الموجودات تشترك مع الإنسان في الفقر الذي هو " إمكان الوجود " . وتخصيص الحديث في الإنسان إنما هو لأجل كبح جماح غروره ، وإلفات نظره إلى حاجته إلى الله في كل حال ، وفي كل شئ وكل مكان ، ليكون ذلك أساس الصفات الحسنة والفضائل والملكات الأخلاقية ، ذلك الالتفات الذي يؤدي إلى التواضع وترك الظلم والغرور والكبر والعصبية والبخل والحرص والحسد ، ويبعث على التواضع أمام الحق . ولتأكيد هذا الفقر والحاجة في الإنسان يقول تعالى في الآية التالية : إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد . وعليه فهو سبحانه وتعالى ليس بحاجة إليكم أو إلى عبادتكم ، وإنما أنتم الفقراء إليه . وهذه الآية شبيهة بما ورد في الآية ( 133 ) من سورة الأنعام حيث يقول تعالى : وربك الغني ذو الرحمة إن يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما يشاء كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين . فهو تعالى ليس محتاجا لطاعتكم ولا خائفا من معصيتكم ، وفي نفس الوقت فإن رحمته الواسعة تشملكم جميعا ، ولا ينقص من عظمته شيئا ذهاب العالم بأسره ، كما أن خلق هذا العالم لا يضيف إلى مقام كبريائه شيئا . وفي الآية الثالثة أيضا يعود التأكيد مرة ثانية فيقول تعالى : وما ذلك على الله بعزيز نعم ، فإنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون ، وهذا يصدق على جميع عالم الوجود . على كل حال ، فإنه تعالى إذا أمركم بالإيمان والطاعة والعبادة فإنما ذلك